عندما اعتلى الرئيس التنفيذي لمجموعة لوريال، نيكولا هيرونيموس، منصة قصر حطين بالرياض في 18 سبتمبر/أيلول لحضور فعالية حول مفهوم الجمال تحت شعار The Power of Beauty، كانت رسالته واضحة: عملاق التجميل الفرنسي لا يقتصر دوره على بيع منتجاته في المملكة العربية السعودية فحسب، بل يُسهم في تشكيل النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمملكة.
وتُوّج الحدث بعرض أزياء مبهر، سلّط الضوء على إبداعات مصممين سعوديين، وتسريحات شعر ومكياج من إبداع مواهب محلية بالكامل.
توافق مع رؤية 2030
قال هيرونيموس لفوربس الشرق الأوسط على هامش الفعالية "زرتُ السعودية قبل 12 عامًا، ومن المثير للاهتمام أن أرى هذا البلد الرائع يتطور. هناك توافق قوي بين رؤية 2030 والتزاماتنا تجاه المجتمع. لهذا السبب اخترتُ المجيء إلى هنا، أرى فرق عمل رائعة وإمكانات نمو هائلة للمملكة ولوريال على حد سواء".
تزامنت هذه التصريحات مع كشف لوريال عن دراسة اجتماعية واقتصادية بارزة أجرتها شركة الاستشارات الباريسية "Asterès"، تُفصّل حضورها في المملكة العربية السعودية.
مصدر الصورة: لوريال
وتُظهر الأرقام ضخامة الحضور، حيث دعمت 8,765 وظيفة عبر سلسلة القيمة الخاصة بها، وبلغ إجمالي مبيعاتها 853.2 مليون دولار (3.2 مليار ريال سعودي)، فيما تأثر أكثر من 35 ألف شخص إيجابًا بمبادراتها الاجتماعية.
وبحسب لوريال، بلغ حجم سوق التجميل في المملكة العربية السعودية ملياري دولار في 2024، ما يعكس النمو المطرد المدفوع بالتحديث الاقتصادي، والاهتمام المتزايد بالجمال، والمشاركة المتنامية للمرأة في القوى العاملة.
لكن بالنسبة لهيرونيموس، البيانات ليست سوى جزء من القصة، إذ يرى أن "النمو لا بد أن يقترن بالاستدامة" لافتًا إلى التكنولوجيا، بما فيها الذكاء الصناعي، هي جوهر نموذج الشركة. وأوضح أن الشركة متخصصة في تقنيات التجميل، وتُمكّن المستهلكين من خلال الابتكار.
بناء منظومة متكاملة للجمال
بدأت رحلة لوريال في السعودية عام 2012، عندما أسست فرعها للاستفادة من سوق سريعة النمو. وبعد ثلاثة عشر عامًا، أصبحت المملكة واحدة من أكثر مراكزها حيويةً في الشرق الأوسط.
واليوم، تصل الشركة إلى 34 مليون مستهلك من خلال 31 علامة تجارية تغطي منتجات التجميل الفاخرة، والاستهلاكية، والاحترافية، ومستحضرات التجميل الجلدية.
مساهمة استراتيجية في الاقتصاد الوطني
وبحسب Asterès، ساعدت عمليات لوريال، التي عززتها شبكة الموردين والموزعين وشركاء الخدمة، في خلق آلاف الوظائف، مما يؤكد دورها كمساهم استراتيجي في تحقيق هدف رؤية السعودية 2030 المتمثل في تنويع الاقتصاد.
وفيما يتعلق بذلك، أشار هيرونيموس إلى أن "سوق التجميل في السعودية تشهد نموًا بمعدلات مضاعفة" وأضاف "بصفتنا روادًا في هذا المجال، فإننا ندفع عجلة النمو، ونساهم أيضًا في خدمة المجتمع، فنحن هنا ليس فقط لتنمية أعمالنا، بل لإحداث تأثير إيجابي أيضًا".
برامج تدريب ودعم للمرأة
ومن أبرز الأمثلة على ذلك أكاديمية لوريال بروفيشنال لتصفيف الشعر، التي درّبت بالفعل أكثر من 100 امرأة سعودية، وتهدف إلى اعتماد 1000 خريجة بحلول عام 2029.
كما يقف برنامج "من أجل المرأة في العلوم"، المُدار بالشراكة مع اليونسكو، ضمن المبادرات الرئيسية للشركة، إذ قدّم ما مجموعه 978,500 دولار (3.67 مليون ريال سعودي) لتمويل الأبحاث، واعترف بـ16 فائزة من المملكة العربية السعودية، من بينهن 11 مواطنة سعودية.
تشمل مبادرات لوريال الأخرى حملة "الوقوف ضد التحرش في الشوارع"، التي دربت أكثر من 30 ألف شخص على التدخل من قبل المارة لمعالجة التحرش في الشوارع. كما أطلقت شراكات لدعم 1000 مريض يتلقون العلاج الكيميائي وناجين من العنف المنزلي.
ونوه هيرونيموس إلى أن هذه المشاريع لا تؤدي دائمًا إلى تعزيز النتائج النهائية للشركة، لكنها مصممة لخلق الفرص ودعم المجتمعات، ما يعكس التزام لوريال بترسيخ حضورها في المملكة كقوة اقتصادية واجتماعية في آن واحد.
جمال محلي بعلامات تجارية عالمية
تكشف جولة في معرض لوريال بالرياض حقيقةً لافتة: فبينما تُعد علامات المجموعة التجارية، من لانكوم إلى ميبيلين، من أشهر العلامات العالمية، إلا أن نجاحها في السعودية يرتكز على قدرتها على التوطين.
وفي هذا الصدد يعتقد هيرونيموس أن "الجمال ثقافة. لا يُمكن القول إن هناك أسلوبًا واحدًا للجمال يناسب الجميع".
عطور بروح الشرق الأوسط
صُممت عطور مُشبّعة بروائح العود والجلد والتبغ خصيصًا للشرق الأوسط، قبل أن تكتسب شهرة عالمية لاحقًا. ويعود عطر مِسك الروم من لانكوم إلى ورد "الطيف" السعودي. كما يُكيّف فنانو المكياج المحليون المنتجات العالمية مع الجماليات السعودية، فيما تُضفي سفيرات مثل أسيل عمران لمسةً من الأناقة السعودية على المنصات العالمية.
مصدر الصورة: لوريال
أوضح هيرونيموس أنه "لا يُمكن أن تكون الأولى في عالم الجمال في أي بلد تقريبًا دون بذل جهد للتكيف. نحن ننجح لأننا نحترم الثقافة المحلية ونحتفي بها".
استثمارات في البحث والتطوير
تتجاوز فلسفة التوطين حدود الأناقة لتصل إلى العلم. إذ تستثمر لوريال 1.53 مليار دولار أمريكي (1.3 مليار يورو) سنويًا في البحث والتطوير، لضمان تلبية تركيباتها للاحتياجات الإقليمية. وتشمل هذه المنتجات واقيات الشمس المصممة للمناخات الحارة والجافة، إلى جانب مستحضرات العناية بالبشرة المخصصة للمدن الساحلية الرطبة مثل جدة.
في عام 2020، أطلقت لوريال برنامج "لوريال للمستقبل"، وهو خارطة طريقها العالمية للاستدامة. وفي المملكة العربية السعودية، يركز البرنامج على ثلاثة محاور رئيسية: دعم المجتمع، والتحول الدائري، والعمل المناخي.
وهذا العام، استضافت المجموعة أول قمة استدامة لها في جدة، جمعت خلالها الشركاء لتبادل الاستراتيجيات الرامية إلى بناء صناعة تجميل أكثر استدامة.
ومن أبرز المبادرات، برنامج "الجمال الأخضر" من علامة غارنييه، الذي أطلق بالتعاون مع "نقاء لحلول الاستدامة" و"باندا"، حيث نجح في إعادة تدوير 348 طنًا من النفايات في المملكة، في إنجاز يُعد محطة مهمة ضمن جهود تعزيز الاقتصاد الدائري.
ومن تلك الناحية، قال المدير العام لشركة لوريال الشرق الأوسط والمملكة العربية السعودية، لوران دافييه، "بالنسبة لنا، الاستدامة ليست مجرد توجه، بل هي جزء لا يتجزأ من أسلوب عملنا. نؤمن بأن أداء الأعمال والتأثير الإيجابي يجب أن يترافقا معًا".
الأسواق الناشئة تفتح آفاقًا جديدة للنمو
تُعدّ المملكة العربية السعودية واحدة من بين العديد من الأسواق الناشئة التي تُحفّز نمو لوريال. كما أوضح هيرونيموس قائلاً "تُمثّل هذه المناطق أكثر من نصف نمونا، على الرغم من أنها لا تُمثّل سوى 17% من أعمالنا".
يرجع هذا النمو بالأساس إلى التركيبة السكانية الشابة والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، إذ اعتبر هيرونيموس "إنهم شباب، ويعتمدون على التكنولوجيا الرقمية بشكل كبير، والتجارة الإلكترونية تشهد ازدهارًا هائلًا. في السابق، لم يكن من الممكن عرض 25 لونًا من أحمر الشفاه في متجر صغير في بلدة نائية. الآن، مع وجود تجارة التجزئة عبر الإنترنت، أصبح ذلك ممكنًا".
كما ساهمت التحولات الثقافية في تعزيز الطلب على منتجات التجميل. وأضاف هيرونيموس "مع ازدياد عدد النساء العاملات، والقياديات، والمستقلات ماليًا، يستثمرن في منتجات تعزز ثقتهن بأنفسهن. وبالطبع، يخترن الأفضل – لأنه يستحق العناء".
خصصت مؤسسة لوريال مبلغ 46,900 دولار (40,000 يورو) لمبادرة "التعليم من أجل التوظيف" في المملكة العربية السعودية، لدعم برنامج "الجمال من أجل حياة أفضل" الهادف إلى تمكين المرأة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
ومن المتوقع أن يتخرج 30 مستفيدة من البرنامج في عام 2025 وينضممن إلى سوق العمل في مجال التجميل، بما يعزز فرص المرأة الاقتصادية ويمهّد لمستقبل أكثر شمولًا في القطاع.
الذكاء الصناعي يرسم مستقبل الجمال
مع انتقال الحديث إلى الابتكار، بدا الحماس جليًا على نيكولا هيرونيموس. وقال "سيؤثر الذكاء الصناعي على جميع جوانب المجتمع. بالنسبة لنا، يُسرّع الذكاء الصناعي وتيرة البحث العلمي، ويساعد علماءنا على اكتشاف جزيئات وتركيبات جديدة بشكل أسرع".
يمتد تأثير الذكاء الصناعي إلى طريقة اختيار المستهلكين للمنتجات. إذ يستخدم برنامج " Beauty Genius " من لوريال، الذي أُطلق في الولايات المتحدة، الصور والخوارزميات لتوصية روتينات تجميل شخصية.
ولفت هيرونيموس إلى أنه "عندما يجد العملاء المنتجات المثالية، يشعرون بسعادة أكبر، ويحافظون على ولائهم. سيُوسّع الذكاء الصناعي آفاق الجمال. إنه يُحدث نقلة نوعية".
في مؤتمر LEAP 2025، كشفت لوريال عن أكثر من 20 ابتكارًا قائمًا على الذكاء الصناعي يركز على الجمال المستدام والشامل، ما عزز مكانتها كشركة التكنولوجيا التجميلية الوحيدة المشاركة في هذا الحدث العالمي.
صناعة التجميل كقوة للخير
من التنوع الاقتصادي إلى تمكين المرأة، مرورًا بالاستدامة وتكنولوجيا التجميل، تُجسّد استراتيجية لوريال السعودية كيف يُمكن للشركات متعددة الجنسيات مواءمة أولوياتها مع الأهداف الوطنية، مع الحفاظ على هويتها العالمية.
وحول ذلك، أوضح لوران دافييه "ترتكز رحلتنا في المملكة على إيماننا بأن أداء الأعمال والتأثير الإيجابي متلازمان. يجب أن تكون صناعة التجميل قوةً للخير".
أما نيكولا هيرونيموس، فيرى أن جاذبية المملكة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في الطموح المشترك. وأضاف"أرى بلدًا يشهد تحولًا، وأرى لوريال جزءًا من هذه المسيرة. نحن هنا لننمو، ولكن أيضًا للتمكين والابتكار والإلهام".
