من السهل أن ننشغل اليوم بأرقام النمو، وأسعار الفائدة، وحركة الأسواق، لكن خلف كل هذا الضجيج ثمة بنية هادئة تحكم الاقتصاد العالمي دون أن تتصدر العناوين: المعايير الدولية. إنها القواعد الصامتة التي تجعل العالم يتحدث لغة اقتصادية واحدة، وتسمح للسلع والخدمات بأن تعبر الحدود بثقةٍ دون أن يلتقي أطرافها وجهًا لوجه.
من آدم سميث، رائد المدرسة الكلاسيكية وصاحب مفهوم "اليد الخفية" التي تنظّم الأسواق، إلى ميلتون فريدمان، منظّر المدرسة الرأسمالية الجديدة، كان دور الدولة تقليديًا يقتصر على كونها منظّمًا اقتصاديًا. وظيفتها كانت وضع قواعد اللعبة: تنظيم الأسواق، الحفاظ على الاستقرار، والبقاء إلى حد كبير خارج طريق السوق. لم يكن هذا النموذج مثاليًا، وقد واجه عديدا من العثرات، فنجح أحيانًا وفشل أحيانًا أخرى. ومع ذلك، ظلت مبادئه الأساسية المرجع للحكومات في الاقتصادات المتقدمة، وتبنّتها المؤسسات الدولية الكبرى كنموذج يُحتذى به.
في عالم تتسارع فيه تحولات الأعمال وتتداخل فيه هياكل الملكية والتمويل، باتت العلاقة بين الشركات القابضة وتوابعها تمثل أحد أعقد تحديات الحوكمة المعاصرة. فالقابضة تُعد "العقل الإستراتيجي" للمجموعة، بينما تُجسد الشركات التابعة "الأذرع التشغيلية" التي تُترجم الرؤية إلى نتائج مالية ومشاريع ملموسة.
يُـعَـد الحفل الذي أقامه عازف البيانو كيث جاريت في مدينة كولونيا من أعظم مقطوعات الارتجال في تاريخ موسيقى الجاز ــ ساعة من المجد الجامح الذي لا يعرف حدودا، والتي جرى تقديمها دون نوتة أو خطة. لكن إنجاز جاريت لا يدين بشيء للصدفة. بل كان نتاج آلاف الساعات من التكرار الممل ــ موازين لا نهاية لها صقلت أفعال العازف المنعكسة وذاكرته العضلية. الواقع أن عباقرة الارتجال يعتمدون على الإتقان الذي يأتي من الممارسة. فهم لا يرتجلون فحسب. فالتعلم هو إتقان إطار عمل بالقدر الكافي من البراعة للتمكن من تجاوزه والتفوق عليه.